محمود سالم محمد
59
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
إن موقف الإسلام من الشعر ، ليس موقفا معاديا ومكرّها ، إنه موقف التصحيح لمفهوم الشعر وأثره ، والدليل على ذلك مواقف الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من الشعر والشعراء ، وهذا الشعر الذي مدح به ، فقد كان يستنشد الصحابة الشعر ، ويستعيد ما يستحسنه منه ، ويبدي إعجابه ببعضه . فقد كان عصر البعثة ، عصر صراع بين القيم الإنسانية التي جاء بها الإسلام ، وبين القيم الجاهلية الفاسدة ، لكن الإسلام أبقى على كثير من القيم الجاهلية ، وأعطاها مفهوما جديدا ، ودلالات أعمق ، لأنه يريد بناء مجتمع جديد ، وأمة جديدة ، تختفي منها القيم التي تفكك المجتمع أو تفسده ، أو تنتقص من إنسانية الإنسان ، وكان بناء العقيدة الجديدة في داخل النفس والمجتمع يقتضي أن يصحح الشعر الذي يؤثر في النفس والمجتمع . ومما قيل عن الشعر في عصر البعثة ، أنه ضعف ولان عما كان عليه في الجاهلية ، لأنه التزم الصدق ، فالشعر يعتمد على التخيّل الكاذب ، فإذا دخل في باب الخير لان ، وقد ظلت هذه الفكرة موضع أخذ ورد بين النقاد القدامى والمحدثين ، فقد لاحظ المتتبعون للحركة الشعرية في عصر البعثة اضطراب الشعر وتردده بين مد وجزر ، وإضراب بعض شعراء الجاهلية عن نظم الشعر في الإسلام ، أو التقليل منه ، واضطرار الشعراء إلى قول ما يتوافق مع الإسلام ، وهذا ما جعل الشعر الذي وصل من عصر البعثة أقل من الشعر الجاهلي ، وأقل من الشعر الأموي الذي عاد إلى الطبيعة الجاهلية ، وخاصة إذا عرفنا أن الإسلام حرم الشعراء من دوافع الشعر التي تدفعهم إلى الإكثار والإجادة وعوّضهم بدوافع أسمى ، لكن تمثّل القيم الجديدة والوضع الجديد يحتاج إلى زمن طويل ، تقصّر عنه مدة البعثة الوجيزة ، إضافة إلى أن المسلمين انشغلوا بحركة الجهاد ومقاومة المشركين ، فلم يكن أمامهم متسع للوقوف طويلا عند الشعر وتجويده ، وقد حرصوا في مدة إرساء الدعوة على الفعل أكثر من القول بالإضافة إلى وجود القرآن الكريم الذي أعجز العرب وألجمهم ، وجعلهم مشدوهين أمام بلاغته ، فاتجهوا إليه ،